د. باسم المذحجي يكتب: ساعة الصفر – معركة استعادة الدولة

في سياق التحليل الاستراتيجي العسكري والأمني، لم يعد إضعاف النفوذ العسكري لميليشيا الحوثي الإرهابية يتحقق بالتكتيكات التقليدية، كالقصف الجوي النمطي أو المواجهات الصدامية في الجبال المحصنة.
المعركة القادمة هي معركة الحرب الهجينة متعددة الأبعاد Hybrid Multi-Domain Warfare، وفكرتها الجوهرية هي تحويل نقاط القوة الجغرافية للجماعة إلى نقاط ضعف قاتلة، والانتقال من استهداف المعسكرات إلى شل الجهاز العصبي واللوجستي والمالي الذي يديرها.
_هذه هي لحظة ساعة الصفر لاستعادة الدولة.
أولاً: الفكرة العسكرية الجديدة – عملية القطع والتفكيك.
تقوم العملية على ثلاثة مسارات متزامنة، لا تعتمد على اقتحام المرتفعات، بل على عزلها:
1. الخنق اللوجستي والإعماء الرقمي.
بدلًا من استهداف شبكات الاتصال العامة فقط، الفكرة هي استهداف منظومة القيادة والسيطرة C4ISR. الهدف هو إجبار القيادات على الخروج من الشبكات المحصنة إلى وسائل بدائية مكشوفة، كاللاسلكي التقليدي والمراسلة اليدوية، مما يسهل رصدها.
عسكريًا، ضرب شبكة الاتصالات في صنعاء، باعتبارها مركز القيادة والسيطرة، يعني انهيار القدرة على إصدار الأوامر وتلقي التقارير من الجبهات، وشلل الدفاع الجوي وأنظمة الرصد وحدوث عمى عسكري، وعزل الجبهات الميدانية في مأرب وتعز والساحل عن المركز وقطع طلب التعزيزات، وتوقف الاستخبارات والتنسيق الأمني، وشلل المنظومة اللوجستية لمخازن السلاح والوقود.
والبدائل العسكرية عند الانقطاع محدودة ومكلفة: شبكات HF/VHF المشفرة المحدودة النطاق والمتأثرة بتضاريس اليمن، والاتصالات الفضائية عبر الثريا المعرضة للرصد، والمراسلين اليدويين الذين يبطئون القرار.
2. التطويق الاقتصادي والعسكري النظيف.
نقل ثقل المعركة لقطع الشرايين البحرية والبرية دون دخول مراكز المدن، وتحويل مراكز القرار إلى جزر معزولة جغرافيًا واقتصاديًا وعسكريًا عن أي إمداد خارجي.
3. حرب المسيرات السيبرانية.
دمج الهجمات السيبرانية مع عمليات المسيرات لتعطيل أنظمة التحكم والتوجيه وإخراجها عن الخدمة قبل استخدامها.
ثانيًا: بنك الأهداف الجديد – من المعسكرات إلى الشرايين الخفية.
هذا البنك لا يركز على المعسكرات الجبلية الشهيرة المحصنة بالخرسانة والأنفاق، بل على البنية التحتية الخفية التي تدير الحرب:
البنك التكنولوجي والسيبراني: عقد الألياف الضوئية العسكرية ومحطات الربط والميكروويف التي تربط صعدة بالحديدة وصنعاء، والورش والهناجر المدنية المستأجرة والمزارع المخفية في ضواحي صنعاء وسهول تهامة التي تستخدم لتجميع وبرمجة المسيرات، ومراكز الحرب الإلكترونية والتشويش فوق القمم الاستراتيجية كجبل النبي شعيب وعيبان وضوران.
البنك المالي واللوجستي الخفي: شبكات المصرفية الظلية وخوادم شركات الصرافة التي تدير تمويل المقاتلين وشراء الولاءات، ومخازن الوقود السرية تحت الأرض التي تمثل عصب حركة الآليات ومنصات الإطلاق، وطرق الإمداد والتهريب البديلة في الوديان والممرات الوعرة التي تربط المحافظات.
البنك الهيكلي والقيادي النوعي:مراكز التدريب العقائدي والتعبوي المغلقة التي تعد القيادات الميدانية، ومقرات التوجيه المعنوي والإعلام الحربي وغرف البث.
الهدف هو تحييد القدرة الهجومية وفصل القيادة العليا عن القواعد الميدانية، مما يؤدي إلى تآكل القوة ذاتيًا بانقطاع المال والوقود والتوجيه والاتصالات.
ثالثًا: الجغرافيا العملياتية بعد عزل العاصمة.
بناء على الاعتبارات الجغرافية، تشكل المحافظات الخمس امتدادًا عملياتيًا واحدا لشبكة القيادة بعد عزل صنعاء:
صنعاء هي المركز الرئيسي للقيادة والسيطرة والاحتياط الاستراتيجي.
صعدة هي المعقل ومركز القرار والعمق الاستراتيجي والكهوف المحصنة.
عمران هي بوابة صنعاء الشمالية وعقدة الوصل بين صعدة والعاصمة.
ذمار هي العمق الجنوبي والاحتياط البشري ومركز القيادة الوسطى.
حجة هي جبهة الساحل والربط الغربي وخط الإمداد القادم من الموانئ.
قطع الوصل بين هذه العقد يعني تحويل كل محافظة إلى جزيرة معزولة.
رابعًا: التداعيات المدنية والإنسانية – الخطر الذي يجب حسابه.
إن إخراج منظومة الاتصالات عن الخدمة في صنعاء، حيث تتمركز خوادم يمن نت وتيليمن ويمن موبايل، سيؤدي إلى شلل شبه تام: انهيار القطاع المصرفي والتحويلات المالية والموبايل موني، وشلل القطاع الصحي ومنظومة الإسعاف والطوارئ، وعزلة محلية ودولية وانقطاع الإعلام، وتعطل العمل الإنساني للأمم المتحدة وتوزيع المساعدات، وأزمة تموينية واحتكار وارتفاع أسعار.
لذلك فإن أي استراتيجية للشلل يجب أن تقترن بخطة بدائل إنسانية، كالإنترنت الفضائي وإعادة توجيه الخدمة عبر محافظات أخرى.
خامسًا: ضوابط سقوط الدول وقرارات الإنقاذ.
لا تنهار الدول بضربة واحدة، بل بتداخل عوامل:
مؤشرات الخطر هي تآكل السيادة وظهور قوى موازية، وتدهور اقتصادي حاد وانهيار العملة، وانقسام مجتمعي عمودي وخطاب كراهية، وفقدان الشرعية وتفشي الفساد، وارتهان القرار للخارج.
أما قرارات الإنقاذ الحاسمة فهي في المحور الأمني احتكار الدولة للسلاح وحل الميليشيات وتأمين الحدود والمنافذ، وفي المحور السياسي إصلاح هيكلي ومكافحة فساد وحوار وطني شامل، وفي المحور الاقتصادي ترشيد الإنفاق وإصلاح العملة وتأمين الغذاء والطاقة والدواء كأمن قومي.
شروط النجاح الثلاثة هي السرعة والحسم فالتأخر يوازي عدم اتخاذ القرار، والإرادة السياسية الصلبة حتى لو كانت غير شعبية، والتواصل الشفاف مع الشعب لكسب الثقة.
_الخلاصة: معادلة ساعة الصفر.
ساعة الصفر ليست معركة جبل بجبل، بل معركة قطع الجهاز العصبي.
عندما ينقطع المال والوقود والتوجيه والاتصالات، تتآكل القوة ذاتيًا، وتتخلى القيادات المحلية والقبائل عن القتال.
النجاح المستقبلي لا يعتمد فقط على قوة السلاح، بل على قوة المؤسسة التي تحمي اليمن الكبير، ومدى ثقتها، وسرعتها في اتخاذ القرار، وقدرتها على حماية المدنيين أثناء المعركة.
اليمن الكبير لن يستعاد بالاقتحام، بل بالعزل والشلل والتفكيك.
باحث استراتيجي يمني.










