إيمان سعيد تكتب: من الخاسر بعد الطلاق؟ حين يدفع الجميع ثمن الانفصال

من الخاسر بعد الطلاق؟ السؤال يبدو وكأننا نبحث عن طرف انتصر وطرف انهزم، وكأن انتهاء الزواج لا بد أن يترك رابحًا وخاسرًا. لكن الحقيقة أن الطلاق، حين يحدث، لا يخرج منه أحد كما دخل؛ فهناك امرأة فقدت شكلًا من أشكال حياتها، ورجل تغيرت علاقته بالبيت والأبناء، وأطفال وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يختاروه، وعائلتان قد تمتد إليهما آثار الانفصال.
المرأة قد تخسر سنوات من عمرها وأحلامًا بنتها داخل بيت كانت تظنه مستقرًا، وقد تفقد جزءًا من أمانها المادي والاجتماعي، وتجد نفسها مطالبة بأن تبدأ من جديد وهي تحمل مسؤوليات أكبر، خصوصًا إذا كانت أمًا. وقد تكون الخسارة النفسية أصعب؛ لأنها لا تفقد الزوج فقط، وإنما تفقد أيضًا صورة الحياة التي كانت تتخيلها معه. ومع ذلك، فالطلاق لا يعني نهاية المرأة، فقد يكون أحيانًا بداية لاستعادة نفسها وبناء حياة جديدة أكثر اتزانًا.
والرجل كذلك يواجه خسارته الخاصة. فقد يفقد وجوده اليومي في البيت، وتفاصيل حياة أبنائه، وشكل الأسرة الذي اعتاد عليه. وربما يجد نفسه أمام واقع جديد يحتاج فيه إلى إعادة ترتيب حياته، مع الحفاظ على دوره كأب ومسؤوليته تجاه أبنائه، مهما كانت طبيعة الخلاف الذي أنهى زواجه.
أما الأبناء، فهم الطرف الذي لم يختر الانفصال ولم يكن سببًا فيه. بالنسبة لهم، قد يعني الطلاق تغير البيت والروتين والعلاقات التي اعتادوا عليها. وقد يشعر الطفل بالحيرة أو الغضب أو الخوف، خاصة إذا وجد نفسه يسمع روايات متناقضة عن والديه أو يشعر بأنه مطالب بالانحياز لأحدهما.
وهنا تظهر مسؤولية الأب والأم الحقيقية: ألا يتحول الطفل إلى ساحة للخلاف. فلا يُستخدم لنقل الرسائل، ولا يكون وسيلة للضغط، ولا يُطلب منه أن يحمل مشاعر الكبار. فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن انفصال والديه لا يعني أنه فقد حب أيٍّ منهما.
والأمر لا يتوقف عند الأبناء؛ فالإخوة والأجداد والعائلتان قد يتأثرون أيضًا، خصوصًا عندما تمتد الخلافات من الزوجين إلى المحيط كله. وقد تتحول علاقة انتهت بين شخصين إلى قطيعة بين عائلات، بينما كان من الممكن أن تنتهي بشكل أكثر هدوءًا واحترامًا.
ومع ذلك، ليس كل طلاق فشلًا. فهناك زيجات يصبح استمرارها أكثر ألمًا من انتهائها، وقد يكون الانفصال في بعض الحالات طريقًا للخروج من علاقة مؤذية أو حياة لم تعد قابلة للاستمرار. المشكلة ليست في انتهاء الزواج بقدر ما هي في الطريقة التي يتعامل بها الجميع مع ما بعده.
فالطلاق ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي الأبوة ولا الأمومة. يمكن أن يتغير شكل الأسرة، لكن لا يجب أن يتحول هذا التغيير إلى حرب تستنزف الجميع، ولا إلى محاولة للانتقام من الطرف الآخر على حساب الأبناء.
المرأة تحتاج إلى فرصة لتبدأ من جديد دون أن تُختزل في لقب «مطلقة»، والرجل يحتاج إلى أن يحافظ على علاقته بأبنائه ومسؤوليته تجاههم، والأبناء يحتاجون إلى بيئة تمنحهم الأمان بدلًا من الصراع.
وفي النهاية، لا توجد إجابة واحدة لسؤال: من الخاسر بعد الطلاق؟
فالخسارة قد تطال الجميع، لكن حجمها لا يتحدد فقط بما حدث أثناء الزواج، وإنما بما يفعله كل طرف بعد انتهائه.
قد ينتهي بيت الزوجية، لكن لا يجب أن ينتهي معه الاحترام. وقد تنتهي علاقة الرجل بالمرأة كزوجين، لكنهما سيظلان أبًا وأمًا. والنضج الحقيقي ليس أن ينتصر أحدهما على الآخر، وإنما أن يستطيع الجميع عبور مرحلة الانفصال بأقل قدر ممكن من الجراح، وأن يظل الأبناء بعيدين عن معركة لم يختاروها…









